أثر الاتفاق النووي على الاسواق العالمية

بحث مصغر عن التأثيرات الاقتصادية وبعض الاحصاءات في الاقتصاد الايراني واثر رفع العقوبات على السوق العالمية

الاتفاق الإيراني يدخل حيز التنفيذ

دخل الاتفاق النووي الإيراني حيز التنفيذ أخيرا، حيث تم الإعلان عن رفع العقوبات المتعلقة بهذا الاتفاق، ما يعيد السؤال المطروح سابقا حول تداعيات ذلك على المنطقة بشكل خاص وعلى العالم وإسعار النفط المتهاوية، ذلك في ظل هذه الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط والتي اججت العديد من الصراعات، الوضع الذي لم تشهده المنطقة منذ عقود، في ظل هذا المشروع التوسعي الإيراني، وبين بعض الدول العربية التي قررت التصدي له بعدة طرق تفاوتت بين دولة وأخرى.



جاء هذا الاتفاق في وقت تراجعت فيه الاسعار العالمية للنفط بشكل هائل، ما يعني تراجع إيرادات النفط حتى لو سُمِح لإيران بالتصدير إلى زبائنها بشكل اعتيادي. في حين يظل النفط المحرك الأساسي للاقتصاد الإيراني على رغم من توفر العديد من الامكانات المتنوعة في البلاد والتي تشمل العديد من القطاعات الاقتصادية، من أهمها الخدمات والزراعة والصناعات التحويلية والخدمات المالية. حيث يقدر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي الايراني في 2014 بنحو 306 مليار دولار، ونظراً إلى التعداد السكاني الكبير لإيران عند 79 مليون شخص، يتراوح معدل دخل الفرد السنوي حول خمسة آلاف دولار. وتتنوع مساهمات القطاعات الأساسية كالتالي: الصناعة بما فيها القطاع النفطي 41% وقطاع الخدمات بأنواعها 50% والزراعة 9.00%.



لكن لا بد من التحفظ على أي بيانات أو إحصاءات اقتصادية فدرجة الشفافية بموضع شك في إيران. على سبيل المثال، عندما يُذكر ان نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يعادل دولارين للفرد يومياً، تساوي 3.1%، لا بد من التحفظ آخذين بعين الاعتبار التقارير الدولية حول مظاهر الفقر والتخلف في العديد من المناطق والمدن الإيرانية. في حين اشار البنك الدولي إلى ان معدل البطالة في العام 2014 بلغ 11.4% من إجمالي القوى العاملة، ويصل المعدل إلى ما يقارب 18% بين الذكور للفئات العمرية ما بين 15 إلى 29 سنة و39% بين النساء لنفس الفئة العمرية.



وعندما يكون الاقتصاد شمولياً، أي ان الدولة تسيطر على نشاطات عديدة، تكون قدرة القطاع الخاص لخلق فرص عمل جديدة محدود الأثر. حيث يمكن تقدير مساهمة الدولة في النشاط الاقتصادي بنسبة 60% وهي نسبة مرتفعة. في حين يظل تطوير دور القطاع الخاص في إيران هدفا بعيد المنال، حتى لو كان ذلك من الأهداف الإستراتيجية للحكومة الإيرانية، إذ لا ثقة لدى العديد من رجال الأعمال المحليين أو الشركات الأجنبية بالأوضاع السياسية أو بتوجهات الحكومة في شأن الإصلاح أو تعزيز الاستقرار وتطوير علاقات حسن جوار مع بلدان المنطقة، وهي عوامل أساسية في نظر المستثمرين.



وتقدَّر صادرات إيران بـ 96 بليون دولار في 2014 وتشكل الصادرات النفطية 80% من قيمة الصادرات الايرانية. وهناك صادرات أخرى مثل المنتجات البتروكيماوية والسيارات والفواكه والمكسرات والسجاد. في حين تظل الصين أهم الدول المستوردة من إيران وبنسبة 27% تليها تركيا بنسبة 11% ثم الهند 10.6% واليابان 7.3% وكوريا الجنوبية 5.9%.



ويلاحَظ ان الصادرات الإيرانية يتجه معظمها الى الشرق، حيث ان الدول المصدرة إلى إيران هي: الإمارات بنسبة 35.8% والصين 18.6% والهند 6.4% وتركيا 5.4%. ويتضح ان العلاقات الاقتصادية ما زالت مرهونة بالعلاقات السياسية، ولا يبدو ان العلاقات التجارية مع دول منطقة اليورو أو الولايات المتحدة تمثل أهمية للاقتصاد الإيراني، على الرغم من امتلاكها العديد من القدرات التقنية المتطورة مع وجود العديد من الشركات النفطية الراغبة في توظيف الأموال في قطاع النفط الايراني.

تصريحات إيرانية عن زيادة الإنتاج على المدى القريب

صرحت وزارة النفط الإيرانية عبر موقعها الالكتروني يوم الاثنين نقلا عن ركن الدين جوادي نائب وزير النفط قوله إن طهران أصدرت أمرا بزيادة إنتاج الخام 500 ألف برميل يوميا وذلك عقب رفع العقوبات عنها، وأوضح جوادي ان الشركات الأميركية مرحب بها أيضاً للاستثمار في هذا القطاع الحيوي. وسبق للعديد من المستثمرين ان توافدوا إلى إيران بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع الدول الكبرى. في حين صرحت الإمارات العربية المتحدة على لسان وزير الطاقة الاماراتي سهيل بن محمد المزروعي إن ضخ أي كميات إضافية من النفط سوف يضر بالسوق، وفي أول تعليق من دولة خليجية عضو في أوبك بخصوص إيران منذ رفع معظم العقوبات عن طهران قال المزروعي إن أي إنتاج جديد يدخل السوق سيؤدي إلى تأخر استعادة التوازن.وقال للصحفيين على هامش مؤتمر في أبو ظبي بأن إيران لديها الحق في رفع انتاجها فهي دولة في منظمة أوبك الا ان ذلك لن يفيد السوق بل العكس من ذلك تماما. حيث هبطت أسعار النفط يوم الاثنين إلى أدنى مستوى لها منذ 2003 في الوقت الذي تستعد فيه السوق لاستقبال الزيادة في الصادرات الإيرانية. وبلغ سعر البرنت نحو 29.25 دولار للبرميل في وقت لاحق من الجلسة.



وقالت سلطنة عمان غير العضو في أوبك على لسان وزير النفط العماني محمد بن حمد الرمحي بأن بلاده غير قلقة من ضخ ايران لكميات إضافية من النفط وذلك لأن السوق متخمة بالفعل بالنفط الخام لكنها قالت إنها مستعدة لخفض إنتاجها من النفط الخام بنسبة خمسة إلى عشرة بالمئة لتحقيق الاستقرار في السوق وحث جميع المنتجين على اتخاذ إجراء مماثل.في حين توقعت أوبك يوم الاثنين أن يسجل العرض من الدول غير الأعضاء هبوطا أكبر من المتوقع هذا العام بسبب انهيار أسعار النفط الخام مما سيعزز الطلب على نفط المنظمة. حيث ذكرت أوبك في تقريرها إن العرض من الدول غير الاعضاء سينخفض 660 ألف برميل يوميا في 2016 بقيادة الولايات المتحدة. وتوقعت المنظمة الشهر الماضي انخفاض العرض من الدول غير الأعضاء بمقدار 380 ألف برميل يوميا.غير أن تقرير أوبك لم يتناول أثر الإمدادات الناتجة عن رفع العقوبات الغربية عن إيران التي قالت إنها ستزيد إنتاجها 500 ألف برميل يوميا وهو ما سيسد معظم الفراغ الذي ستتركه الدول غير الأعضاء في أوبك.

الاستقرار الاقتصادي الايراني يعتمد على ما يخبئه المستقبل

وتمثّل إيران أهمية في الاقتصاد العالمي للنفط. حيث بدأ الاهتمام بالنفط الإيراني بداية القرن العشرين عندما تأسست “شركة النفط الإيرانية” بمساهمة بريطانية. وقد أثرت السياسات التي اعتمدت في الصناعة النفطية في إيران منذ بداية الخمسينات، ومنها تأميم الصناعة في عهد رئيس الوزراء الراحل محمد مصدق وما نتج عن ذلك من انقلاب سياسي أعاد إلى الشركات النفطية العملاقة دوراً مهماً في إنتاج النفط وتصديره.



كذلك أدى الشاه الراحل محمد رضا بلهوي دوراً مؤثراً في تطورات الصناعة النفطية في الشرق الأوسط في أواسط السبعينات بما أدى إلى الصدمة النفطية الأولى. الا ان المتغيرات التي جرت بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 أدت إلى تحولات مهمة في العلاقات المرتبطة بالنفط بين إيران وشركات النفط. فتلك التطورات حددت معدلات النمو الاقتصادي والأوضاع المعيشية ومستويات سعر صرف العملة الوطنية. فهل يمكن ان تصبح إيران دولة مستقرة اقتصادياً وتطور إمكانيات صناعتها النفطية، خصوصاً أنها تملك احتياطات نفطية لا بأس بها واحتياطات متميزة من الغاز الطبيعي؟ سيعتمد الأمر على قدرة النظام السياسي على فك العزلة وتعزيز الانفتاح السياسي داخل البلاد وتمكين الآلاف من الإيرانيين، من أصحاب الثروات، من العودة إلى البلاد وتوظيف أموالهم ليكونوا قدوة تعزز ثقة الأجانب بالاقتصاد الإيراني.